صديق الحسيني القنوجي البخاري
247
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية ، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته ، والفقهاء بحثوا عن أحكامه وكذا أهل اللغة والنحو والمعاني والبيان ، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون ، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله ، والأولى أن جميع هذه المعاني فيه ، وقال القشيري القول الثقيل هو قول لا إله إلا اللّه لأنه ورد في الخبر « لا إله إلا اللّه خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان » « 1 » . إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ أي ساعاته وأوقاته ، لأنها تنشأ أولا فأولا ، يقال نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدىء وأقبل شيئا بعد شيء فهو ناشىء وأنشأه اللّه فنشأ ، ومنه نشأت السحاب إذا بدأت ، فناشئة فاعلة من نشأت تنشىء فهي ناشئة ، قال الزجاج : ناشئة الليل كل ما نشأ منه أي حدث فهو ناشئة ، قال الواحدي : قال المفسرون الليل كله ناشئة ، والمراد أن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف ، وقيل إن ناشئة الليل هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض ، من نشأ من مكانه إذا نهض ، وقيل إنما يقال لقيام الليل ناشئة إذا كان بعد نوم ، فلو لم يتقدمه نوم لم يكن ناشئة ، وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات . قال ابن الأعرابي إذا نمت من أول الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة ومنه ناشئة الليل قيل وناشئة الليل هي ما بين المغرب والعشاء لأن معنى نشأ ابتدأ وكان زين العابدين علي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنهما يصلي بين المغرب والعشاء ويقول : هذه ناشئة الليل ، وقال عكرمة وعطاء : هي بدو الليل ، وقال مجاهد وغيره : هي في الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار ، واختار هذا مالك ، وقال ابن كيسان هي القيام من آخر الليل . وقال في الصحاح : ناشئة الليل أول ساعاته ، وقال الحسن : هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح ، وقال ابن عباس : هي قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا نشأ ، قال الشيخ فعلى هذا هي جمع ناشىء أي قائم ( قلت ) يعني أنها صفة لشيء يفهم الجمع أي طائفة أو فرقة ناشئة وإلا ففاعل لا يجمع على فاعلة . وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : هي أوله ، وعنه قال الليل كله ناشئة ، وعن ابن مسعود قال ناشئة الليل بالحبشية قيام الليل ، وعن أنس بن مالك : قال هي ما بين المغرب والشعاء .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 58 ، والدعوات باب 66 ، والأيمان باب 19 ، ومسلم في الذكر حديث 30 ، والترمذي في الدعوات باب 59 ، وابن ماجة في الأدب باب 56 ، وأحمد في المسند 2 / 232 .